محمد بن جرير الطبري
184
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً يقول تعالى ذكره : فانطلق موسى والعالم يسيران يطلبان سفينة يركبانها ، حتى إذا أصاباها ركبا في السفينة ، فلما ركباها ، خرق العالم السفينة ، قال له موسى : أخرقتها بعد ما لججنا في البحر لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً يقول : لقد جئت شيئا عظيما ، وفعلت فعلا منكرا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي عجبا ، إن قوما لججوا سفينتهم فخرقتها ، كأحوج ما نكون إليها ، ولكن علم من ذلك ما لم يعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم موسى ذلك من علم الله الذي آتاه ، وقد قال لنبي الله موسى عليه السلام : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً يقول : نكرا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً قال : منكرا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . والإمر : في كلام العرب : الداهية ؛ ومنه قول الراجز : قد لقي الأقران مني نكرا * داهية دهياء إدا إمرا وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : أصله : كل شيء شديد كثير ، ويقول منه : قيل للقوم : قد أمروا : إذا كثروا واشتد أمرهم . قال : والمصدر منه : الآمر ، والاسم : الإمر . واختلفت القراء في قراءة قوله : لِتُغْرِقَ أَهْلَها فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين لِتُغْرِقَ أَهْلَها بالتاء في لتغرق ، ونصب الأهل ، بمعنى : لتغرق أنت أيها الرجل أهل هذه السفينة بالخرق الذي خرقت فيها . وقرأه عامة قراء الكوفة : " ليغرق " بالياء أهلها بالرفع ، على أن الأهل هم الذين يغرقون . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، متفقتا المعنى وإن اختلفت ألفاظهما ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب . وإنما قلنا : هما متفقتا المعنى ، لأنه معلوم أن إنكار موسى على العالم خرق السفينة إنما كان لأنه كان عنده أن ذلك سبب لغرق أهلها إذا أحدث مثل ذلك الحدث فيها فلا خفاء على أحد معنى ذلك قرئ بالتاء ونصب الأهل ، أو بالياء ورفع الأهل . القول في تأويل تعالى : قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما يقول عز ذكره : قالَ العالم لموسى إذ قال له ما قال أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً على ما ترى من أفعالي ، لأنك ترى ما لم تحط به خبرا . قال له موسى : لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : كان هذا الكلام من موسى عليه السلام للعالم معارضة ، لا أنه كان نسي عهده ، وما كان تقدم فيه حين استصحبه بقوله : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ذكر من قال ذلك . حدثنا عن يحيى بن زياد ، قال : ثني يحيى بن المهلب ، عن رجل ، عن سعيد بن جبير ، عن أبي بن كعب الأنصاري في قوله : لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ قال : لم ينس ، ولكنها من معاريض الكلام . وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا تؤاخذني بتركي عهدك ، ووجه أن معنى النسيان : الترك . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن الحسن بن عمارة ، عن الحكم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أي بما تركت من عهدك . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذه بما نسي فيه عهده من سؤاله إياه على وجه ما فعل وسببه لا بما سأله عنه ، وهو لعهده ذاكر للصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأن ذلك معناه من الخبر النسيان ، وذلك